لسان الدين ابن الخطيب
296
الإحاطة في أخبار غرناطة
في حكمه ، وانتقل إلى حضرة الملك بانتقاله ، فنال ما شاء من اصطناعه وحظوته ، وجرى له هذا الرّسم في أيام من خلفه من ولده إلى يوم الوقيعة الكبرى بطريف تاريخ فقده . وجرى ذكره في كتاب « الإكليل » بما نصه « 1 » : إن طال الكلام ، وجمحت الأقلام ، كنت كما قيل : مادح نفسه يقرئك السلام ، وإن أحجمت ، فما أسديت في الثّناء ولا ألحمت ، وأضعت الحقوق ، وخفت ومعاذ اللّه العقوق . هذا ، ولو أنّي زجرت طير البيان من أوكاره ، وجئته « 2 » بعيون الإحسان وأبكاره ، لما قضيت حقّه بعد ، ولا قلت إلّا التي علمت سعد « 3 » . فقد كان ، رحمه اللّه ، ذمر « 4 » عزم ، ورجل رخاء وأزم ، تروق أنوار خلاله الباهرة ، وتضيء مجالس الملوك من صورتيه الباطنة والظاهرة ، ذكاء يتوقّد ، وطلاقة يحسد نورها الفرقد . فقدته « 5 » بكائنة طريف « 6 » ، جبر اللّه عثارها ، وعجّل ثارها . حدّث خطيب المسجد الأعظم ، وهو ما هو ، من وفور العقل ، وصحة النّقل ، قال : مررت بأبيك بعد ما تمت الكسرة ، وخذلت تلك الأسرة ، وقد كبا بأخيك الطّرف ، وعرض عليه الحمام للصّرف ، والشيخ رحمه اللّه لم تزلّ قدمه ، ولا راعه الموقف وعظمه . ولما آيس من الخلاص وطلّابه ، صرفني وقال : أنا أولى به ، فقضى سعيدا شهيدا ، لم يستنفره الهول ، ولم يثنه ولا رضي عار الفرار عن ابنه . شعره : قال في « الإكليل » « 7 » : وكان « 8 » له في الأدب فريضة ، وفي النّادرة العذبة منادح عريضة . تكلّمت يوما بين يديه ، في مسائل من الطب ، وأنشدته أبياتا من شعري « 9 » ، وقرأت عليه رقاعا من إنشائي ، فسرّ وتهلّل ، وعبّر عما أمل ، وما برح أن
--> ( 1 ) النص في نفح الطيب ( ج 7 ص 14 ) . ( 2 ) في النفح : « وجئت بعون . . . » . ( 3 ) أخذه من قول الحطيئة [ الطويل ] : وتعذلني أفناء سعد عليهم * ولا قلت إلّا بالتي علمت سعد ديوان الحطيئة ( ص 329 ) . ( 4 ) الذّمر ، بفتح الذال وكسر الميم : الشجاع والداهية . لسان العرب ( ذمر ) . ( 5 ) من هنا حتى قوله : « عار الفرار عن ابنه » ساقط في النفح . ( 6 ) كائنة طريف أو موقعة طريف : هي الموقعة الشهيرة التي كانت بين الإسبان وبني مرين ، وكان مع بني مرين قوات الأندلس بقيادة السلطان أبي الحجاج يوسف بن إسماعيل النصري ، سنة 741 ه ، وكانت الهزيمة فيها للمسلمين . اللمحة البدرية ( ص 105 - 106 ) . ( 7 ) النص نثرا وشعرا في نفح الطيب ( ج 7 ص 14 - 15 ) . ( 8 ) في النفح : « وكانت » . ( 9 ) في النفح : « شعري ورقاعا من إنشائي فتهلّل وما برح أن ارتجل » .